الشيخ محمد النهاوندي
52
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وربطها بخيط حتّى لا يضيع منها شيء . قال : فإن قيل : كيف وقعت الثقة بأصحاب الرقاع وصدور الرجال ؟ قيل : لأنهم كانوا يبدون عن تأليف معجز ونظم معروف ، قد شاهدوا تلاوته من النبي صلّى اللّه عليه وآله عشرين سنة ، فكان تزوير ما ليس منه مأمونا ، وإنّما [ كان ] الخوف من ذهاب شيء من صحفه . وقد تقدّم في حديث [ زيد ] أنّه جمع القرآن من العسب واللخاف . وفي رواية : والرقاع ، وفي أخرى : من قطع الأديم ، وفي أخرى : والأكتاف ، وفي أخرى : والأضلاع ، وفي أخرى : والأقتاب « 1 » . قال الحاكم : والجمع الثالث هو ترتيب السور في زمن عثمان « 2 » . روى البخاري عن أنس ، أنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ، وكان يغازي أهل الشّام في فتح إرمينية وآذربيجان مع أهل العراق ، فافزع حذيفة اختلافهم في القراءة ، فقال لعثمان : أدرك [ هذه ] الأمّة قبل أن يختلفوا [ في الكتاب ] اختلاف اليهود والنّصارى ، فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ، ثمّ نردّها إليك ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، فأمر زيد ابن ثابت ، وعبد اللّه بن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فنسخوها في المصاحف ، وقال عثمان للرهط القرشيّين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن ، فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنّما نزل بلسانهم ، ففعلوا ، حتّى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة ، وأرسل إلى كلّ أفق بمصحف ممّا نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كلّ صحيفة أو مصحف أن يحرق . قال زيد : ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف ، قد كنت أسمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقرأ بها ، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاريّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ « 3 » . . الآية ، فألحقناها في سورتها في المصحف « 4 » . وقال جمع من العامّة : إنّ جمع عثمان كان لمّا كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتّى قرأوه بلغاتهم على اتّساع اللغات ، فأدّى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض ، فخشي من تفاقم الأمر في ذلك ، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتّبا لسوره ، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش ، محتجّا بأنّه
--> ( 1 ) . الإتقان في علوم القرآن 1 : 206 . ( 2 ) . مستدرك الحاكم 2 : 229 . ( 3 ) . الأحزاب : 33 / 23 . ( 4 ) . صحيح البخاري 6 : 315 / 9 .